روح مظلومة (قصة قصيرة)
كان في المقهى رفقة صديقه حينما مرت بجانبه امرأة برفقة طفل يقارب الثالثة من العمر توقفت برهة تنظر إليه نظرة مطولة غريبة لا تفسير لها لم يعر ذلك أي اهتمام،و أدار وجهه إلى الناحية الأخرى مستمرا في محادثة رفيقه ولما أعاد النظر على وجه السرعة إلى نفس المكان الذي ظهرت به كانت قد اختفت تماما،وعاد مساء إلى بيته الذي ورثه عن والده المتوفى حديثا، حيث يقيم بمفرده ولأنه كان مرهقا من عمله بأحد المصانع لساعات طويلة باليوم فقد استغرق سريعا بالنوم إلى أن استيقظ على حركة أحد يسحبه من على سريره نحو حديقة صغيرة توجد خلف المنزل وجد نفس ملامح تلك المرأة التى ظهرت له عندما كان بالمقهى،ولكنه استوعب أن الأمر لا يغدو أن يكون مجرد حلم وأنه مازال يوجد بغرفه،واستيقظ في الصباح غاية في التعب نظرا لقلة نومه وتقطعه طيلة الليل،وذهب إلى عمله و رآها ثانية في المصنع الذي لايوجد فيه سوى العمال الذكور حدث نفسه مستغربا من أين أتت تلك المرأة، استشعر أنها تلاحقه وذهب ليفهم منها ما يحصل فانزوت منه داخل مخزن مظلم ليس به إنارة أمسكها بقوة وهو يصرخ ماذا تريدين مني لم تلاحقينني فهرع بعض زملائه إليه ليجدو أنه يمسك قطة وهي تخربش وجهه وهم يطالبونه بتركها لكي لا تؤديه إلى أن استوعب حقيقة موقفه وهو يستمع إلى همسهم فيما بينهم ما به المسكين هل جن أم أنه تعاطى نوعا من المخدرات، أخذ إذنا من رئيسه الذي وافق دون تردد فقد كان شاهدا على حالته،وعاد إلى منزله ليرتاح وظل يشاهد التلفاز إلى أن شعر بالنوم فذهب لغرفته ومرة أخرى استيقظ على وجود تلك المرأة التي تسحبه نحو الحديقة ولما أفاق وجد نفسه فعلا ينام في الحديقة وارتعب للأمر وخاطب نفسه هل أمشي وأنا نائم،فعاد إلى غرفته ونام مجددا، وهذه المرة كان الحلم مختلفا فقد رأى تلك المرأة تلاعب ذلك الطفل الذي كان معها في المرة الأولى وتلاطفه في عدة مواقف بينها وتجري خلفه في الحديقة وتقدم له قطع الحلوى وتحمله وتحضنه، ولكنه لم يرى نفسه بالحلم لاشيء يعبر عن كيانه أو وجوده، ولكن كان ذا ارتباط قوي بما يرى أمامه من المرأة وابنها كأنه طرف فيه حتى أنه يحس بلمساتها على جسمه عندما تلامس الطفل،واستيقظ وذهب ينتظر حافلة نقل العمال إلى أن حضرت فصعد إليها من سوء الحظ جلس في مقعد قريب من السائق فظهرت له ثانية بالطريق تعترض الحافلة ظن أنها ستصتدم بها فصرخ بالسائق انتبه أمامك فارتبك الآخر حتى كاد يرتطم بشجرة ولكنه ظل يصرخ به لقد صدمت المرأة ما كان منه إلا أن توقف عن القيادة لينزل الجميع ليجدو أن لا شيء أبدا فصاح الجميع به كادت هلوستك تقضي علينا فصمت أن لا حيلة له وهو أكثر اندهاشا منهم، وعند نهاية دوامه طلب منه صديقه أن يخرجا معا تغييرا للجو خاصة وأنه مساء السبت وغدا عطلة لكنه اعتذر ما كان من صديقه إلا أن سأله هل سبب تغيره هو وفاة والده وحزنه عليه فأجابه بنعم ولكن السبب يكتمه في نفسه ورجع بيته كان واقفا ينظر من النافذة المطلة نحو الحديقة ليراها واقفة في نفس المكان الذي وجد نفسه به فهرع بسرعة إلى هناك ولكن لا أثر لها كأنها تبخرت في الهواء أعد طعامه ونام، إنه الآن يسمع صوت امرأة تغني لرضيع أغنية وهو ينام في حضنها وهو يحس الآن بحنان ذلك الحضن وحبه ولا يدري إن كان حلما أم هلوسة ،نهض من فراشه وتذكر والده فقادته قدماه إلى غرفته لينام على سريره لعله يستأنس بذلك واتجه إلى أغراض والده يبحث عن شيء من أثره أو صورة تروي حنينه وجد صندوقا صغيرا لكن ليس معه مفتاح فكسر قفله وجد به عدة صور له رفقة والده وهو صغير وصور تجمعهما عندما شب وأخرى لعدة أفراد منهم من يعرفه ومنهم من لم يره بحياته لكن أثار انتباهه إحدى الصور، صاحبتها يعرفها أين رآها يحاول أن يتذكر ،نعم إنها تلك التي يراها كل يوم منذ فترة بعضها في المنام وبعضها وهو مستيقظ صورة أخرى لها وهي مع والده كأنها صوة زوجين حديثي الإرتباط وأخرى لوالده معها وأيضا رفقة الطفل الصغير ماذا يعني هذا أتراها أمه نعم بالفعل هي كذلك كل هذا الوقت وهو يرى طيف أمه التي لا يذكر عنها شيئا ولم يخبره والده عنها بشيء سوى أنها هربت وتركته له وفي عمره لا يتجاوز ثلاث سنوات فكان بذلك يتحمل عناء قيامه بدور الأم والأب في نفس الوقت،حتى أنه جف من ناحية أمه بعد سماعه هذه الحكاية فلم يعد يسأل عنها، جمع تلك الصور وغط في النوم واستيقظ على وقع جره إلى الحديقة،ليجد نفسه ينام بها فعلا بنفس البقعة استشاط غضبا فحمل فأسا كان هناك وبدأ يحفر بقوة ازدادت مع عصبيته وانزعاجه ومع استمرار الحفر ظهرت عظام بل هيكل عظمي بشري أصابه رعب شديد واستفرغ كل ما بمعدته وظل جالسا بالحديقة كالمجنون يرتعش إلى أن بزغت الشمس وتوجه إلى مركز الشرطة وأخبرهم بالواقعة وبعد استكشاف المكان والقيام بالتحاليل والاختبارات تم تحديد أن الهيكل لأنثى في بداية العشرين من عمرها وأن عمر الحادثة يتحدد في عشرين عاما أي عندما كان عمره ثلاث سنوات وبذلك فهو بعيد عن أي مساءلة وإذا رجعنا عشرين سنة إلى الوراء وبالظبط في إحدى الليالي الممطرة والعاصفة فقد عاد الزوج مدمن الكحول من إحدى سهراته المعربدة وكان ذلك في الساعة الثالثة صباحا ودخل إلى الغرفة حيث تنام زوجته وابنها الذي لم يبلغ بعد الثالثة من العمر ليوقظها برعونة مطالبا إياها بتحضير العشاء ما كان منها إلا أن حضرته وهي تطالبه بخفض صوته لكي لا يفزع الولد وهو يصيح في غير ما اهتمام وقام يبحث في دولاب الملابس عن مبلغ من المال ناسيا أنه أخده معه قبل خروجه إلى سهرته وسألها عن المبلغ فذكرته أنه أخده قبل خروجه لكنه لم يصدقها واتهمها بسرقته وهو يسب بأبشع الألفاظ مطالبا إياها بإرجاعه ولكن كيف تعيد شيئا لم تأخذه ولا تملك قيمته أصلا فلو كانت تملك المبلغ لقدمته له اتقاء لشره ولكنه ظل يضربها و يرطم رأسها بحافة السرير تارة وبالجدار تارة أخرى دون وعي لم يعي فعلته إلا وهي جثة هامدة وذلك الطفل يصرخ من موقف مهول أمامه لا يستوعب ماهيته حيث أخرج والده الجثة بعد تأكده من وفاتها وأغلق على الطفل الغرفة ،واتجه إلى الحديقة يداري فعلته الشنعاء،التي لم تكشف إلا بعد عقدين من الزمن قبل انقضاء أربعينية مرتكبها، أدرك الإبن الآن المسألة وعلم أن والدته لم تفر وتتركه ولكن والده قال ذلك للناس ووضع بلاغا لدى الشرطة بغيابها ليداري جرمه ذلك البلاغ الذي كان دليلا أن الجثة تخص المرأة التي قتلت ودفنت بمنزلها ولم تبرحه إلى مكان ،الآن الهيكل دفن في قبره ولم يعد بالحديقة وتلك الروح لم تعد أسيرة لعذابها حتى أنه رآها ثانية لكنها لم تجره نحو الحديقة بل حضرت وابتسمت له وطارت إلى السماء ومنذ ذلك الوقت لم يرها.
السعدية خيا /المغرب
الخميس، 13 أبريل 2017
روح مظلومه ☆☆☆بقلم الكاتبه الاديبه السعديه خيا
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
الا يا وطني.. * * * بقلم الشاعرة المتالقة ملاك شمس ناصر
الا يا وطني.. أنت الحلم عشقناك وطناً وعشقنا الألم بحجارتك ثوراتنا و زغاريد امهاتنا تشحذُ الهمم كلنا عروسك حبك ينشده المبسم بعزمك...
-
تسألني كم تحبني ؟ وهل لحبك ِ حجم ويقاس ب الكم لا والله لا وعلى ما اقول وحده الله يعلم احبك كحبها لجنينها الام كحب ِ مناضل ٍ لارضه والع...
-
عشق العيون السود.... اصابت قلبي بنظره من تلك العيون الرموش شهود... اي صلاة عشق في محراب العيون باطله الافي محربها تحت الرموش وفوق لهيب الخ...
-
وكيف يكون النداء بلا صوت وكيف تكون الحياة بلا موت وكيف حالي أنا بلاأنت كل الطيور رحلت وفي رحاب الكون أسفرت ولقائي بك ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق